الحضارة الجديدة لا تقوم إلا على قيم جديدة والقيم الجديدة لا يحملها إلا جيل جديد Back

ومن المألوف دائماً أن يسبق الفكر النظرى – الذى يدفع التطور – التطبيق العملى بين جيل وجيلين تقريباً .
وقد تخطت الدول المتقدمة هذه المراحل وخرجت الى استقرار معمارى متطور حول مفهوم متفق عليه نسبياً يتلخص فى المعمار التشريحى وصدق التعبير عن الوظيفة والانشاء ….. الى وحدة الشكل والمضمون . وفى أوائل هذه الفترة كان يهيمن على العمارة فى مصر فئة أغلبها من الأجانب يتبعون بطريقة أو أخرى المدارس الأوربية فى الفكر المعمارى ويحوطهم عمال ومساعدين على الخط ذاته من الناحية التنفيذية .
وبحكم الفاصل الزمانى والمكانى بيننا فى مصر وبقية العالم المتطور لم يكن خط الحوار الفكرى المعمارى عندنا أسعد حالاً مما كان عليه فى سائر العلوم الأخرى . فلما حل جيل مصرى جديد محل الجيل الأجنبى القديم فى عالم العمارة والبناء فى مصر لم يجد هذا الجيل ما يسانده لا من تراثه القديم الذى انقطعت صلته الروحية به بفعل عقدة الغرب ولا من التراث والتطور المعاصر بالعالم الذى يحجب مكنوناته البعد الزمانى والمكانى كما ذكرنا .
ولم ينلهم من كل هذا بل لم يكن أمامهم إلا التشبث ببعض المظاهر السطحية شرقية كانت أم غربية وجودها بر أمانهم فى بحر العمق الفكرى الذى يداهمهم . فكان ما نراه من مظاهر ما يسمى فى مصر بالطراز الحديث وهو لا يتعدى أن يكون خطوطاً بالعرض بلا ترابط ولا مضمون . وما هى إلا لعبتهم يتسلون بها تسلية العابث باللون والخط والكتلة والزخرفة وكلها سطحيات بلا مدلول وظيفى أو فراغى أو انشائى . وذلك كله بدعوى المعايير الجمالية وما هى إلا أعراض مرض انفصال المعمارى عن واقعه الوظيفى والانشائى وانطلاقه من غيبات ميتافيزيقية .
ولا شك أنه ظهرت أصوات بالجامعات والمدارس المعمارية بمصر تنادى وتبشر بالفكر الجديد ولكن المحصلة فى النهاية لم تحرف التيار السطحى إلا بقدر غير ملموس . ويجب الا يغيب عن البال أن المدارس المعمارية بمصر بدأت تحت اسم هندسة المبانى وشتان ما بين علم المبانى وفن العمارة فهما فى الواقع نقيضان أولهما يبحث فى الكتلة والثانى فى الفراغ . وعلم المبانى بادى من عنوانه أما العمارة فهى فلسفة تنظيم الفراغ بشكل يخلق للانسان بيئة تريحه وتستهويه .
وما زلنا مع الأسف نتعلم العمارة حتى اليوم من خلال علم المبانى وحديث الاخصائيين معظمهم يتحدثون فيه عن المبانى ظانين أنهم من المتكلمين فى فن العمارة .
كل هذا نلمسه بوضوح اذا نظرنا حولنا بتعمق ومحاولة فهم معنى لما نراه من تشكيلات فى مبانينا نحسبها مختلفة فى الجوهر لما يبدو على السطح من اختلاف المظهر .
على أن هذه المحنة التى تمر بها العمارة بمصر ليس مصدرها متخصصيها فقط ولا هم أساس تخلفها .
فمن الواضح ان هؤلاء المتخصصين ما هم إلا نتاج هذا المجتمع يتفاعلون بكل ما يعتمل به من أحداث ويتوارثون كل ما مر به من خبرات ويتأثرون تأثراً بالغاً لا شعورياً فى أغلب الأحوال بالعرف السائد والذوق والمستوى العام فى كافة نواحى الحياة .
وأظن مما هو واضح أن المجتمع المصرى ككل لم يلحق بعد بالمعاصرة فى كافة نواحيها خلافاً لما نراه من محاولات بعض من الأجيال الجديدة بالتشبه بالمظاهر السائدة فى العالم سواء فى الملبس أو الترفيه مما يبشر بانفتاح أعمق على الحضارة المعاصرة . أما الأغلبية الساحقه فلا تزال تعيش بأحاسيسها ومشاعرها مع العهود الغابرة . بل أن محاولات الشباب للحاق بركب الحضارة المعاصر تئن من وطئة النقد الموجه اليهم بحكم دفاع المجتمع فى عاداته المترسبة آلاف السنين . حتى انه يفوت كثير من مثقفينا أننا أول من وضع لبنات هذا الصرح الشامخ من التقدم الذى وصل بالانسان الى القمر فى طريقه ألى آفاق أوسع .
ويدعون أنها حضارة غريبة علينا وليس لنا إلا التمسك الأعمى بما نحن فيه وكأن مظهرنا المتخلف لا يعبر عن جوهر مفاهيمنا وقيمنا ومعتقداتنا التى تغل ايدينا عن كل تطور .
أين نحن من المفاهيم المعاصرة .
أين نحن من مشاعر انسان القرن العشرين .
إن وجداننا لا ينفعل ولا يطرب إلا بالايقاعات البطيئة الرتيبة .
إن الفن مفتاح الوجدان يطرق باب العقل يدعوه للتأمل .
وفنوننا تحاكى غرائزنا وتدعونا الى التأمل فى غيبيات بينما يتحدى الفن الحديث المعاصر أعماق النفس البشرية باحثاً عن مكنوناتها دارساً لها راغباً فى اصلاحها .
ان أصوات الساخرين من الفنون الحديثة ببلدنا تأتى نسبة كبيرة منها من المتخصصين حتى أننا نرى معماريين يسخرون من الفن التجريدى بينما العمارة فى أصلها تجريد فراغى .
وما يفرق الانسان عن أسلافه من الحيوانات هى القدرة على التجريد أى الربط بين ما لا يظهر له أى ربط إلا فى عين الفاحص والمتأمل المدقق والتوحيد بين امور لا تحس السطحية بينها أى من دواعى الوحدة .
وبذلك فان البشرية فى سعيها الدائب وراء المجهول تسلك طريقاً بدايته التجسيد المطلق ونهايته التجريد المطلق ان كان هناك بداية ونهاية وان كانت هناك مطلقات .
إن دفاع المجتمع عن تقاليده وقيمه أمر مفهوم ولكن المؤسف أن يتصدر المدافعون من يدعون أنفسهم مثقفين وكثير منهم يقفون فى مواقع القدرة على الدفع ولكننا غالباً ما نتقهقر بقوة القصور الذاتى .
نعم انها ليست بالمشكلة الهينة أن تحول مجرى الأمور من عجلة متناقصة الى عجلة متزايدة .
وحقاً ان الامور فى هذه الدنيا انما تنمو فى متوالية هندسية وتخبو أيضاً فى متوالية هندسية. ولكنها قدر الجيل الجديد فان هو حمل براعم الفكر المتطور ورعاها وانه لراعيها دفاعاً عن وجوده فى هذه الحياة التى لا تركع إلا للأقوياء الذين يملاء قلوبهم الأمل المتفائل بالمستقبل الزاهر للبشرية والتى ليس أمامها إلا أن تتخطى الصعاب التى تزداد شدة مع الزمن وتزداد تباعاً لها صلابة الانسان وقدرته ومهاراته ومسائله التى يبتكرها يوماً بعد يوم .
إن الانسان عبد هذه الطبيعة التى وهبته وجوده وأهدته ثمرة تطورها عبر ملايين السنين قد رد لها حسن صنيعها بسيطرته عليها .
انها لا تعطى سرها إلا للجادين والمكافحين الصابرين المثابرين .
بقدر ما تعطى تعطيك الحياة تلك هى حكمة الزمن لو وعاها الجيل الجديد فهو متغلب على التحديات التى تواجهه من الداخل مجتمعه قبل غيرها من صروف الزمن .
وليعى الجيل الجديد أن لكل جيل تحدياته والتى تبداء عادة بنقص القيم والمثاليات والتقاليد التى ورثها عن أسلافه . وهو يمر بذلك بما يسمى بمرحلة الرفض . وهى مرحلة تجابهه وتعتصره وهو يعانى مراهقته الفكرية حيث يشعر بأن بداخله شيئ وان كان غير واضح المعالم بداية إلا أن ملامحه تصقل مع تطوره حيث يتأرجح بندول فكره بين رفض وقبول تراثه وبين التجديد والتقليد حتى يثبت عند ما يمكن تسميته بالقيم الجديدة التى يراها ملائمة له أو التى تشكل فى الأصدق محصلة صراع القيم بين جيله وما توارثه .
على أن هناك قوة مؤثرة فى الموقف تأثيراً لا يستهان به إن لم يكن قد أصبح لها أكبر الأثر حيث تقارب العالم زماناً ومكاناً وهى ما يسمى بروح العصر أو مفهوم العصر . ونظرة الى شباب العالم المعاصر سواء منها النظرة العابرة لمظهرهم أم المتعمقة لتصرفاتهم التى تحكمها قيمهم يمكننا ملاحظة ما تعنيه كلمة مفهوم وروح العصر .
وهناك أيضاً عامل يعتبر من أخطر العوامل والذى يتسبب فى تأرجح فكر الجيل الجديد وتمزقه فى بعض الأحيان . ذلك أن الصراع الدائر فى فكره بين القديم والمستحدث ليس صراعاً عدائياً واضح المعالم سهل الاختيار . فالجيل الجديد أولاً يحمل فى طياته لا شعورياً كل المنجزات والقيم التى حققها أسلافه وهو ثانياً يتعاطف بل ويقدر ويحب كثيراً من المدافعين عن التقاليد وكل قديم فمنهم آباؤهم وأجدادهم وذووهم وبعض المعاصرين ممن يرى فيهم كثيراً مما يحتذى .
واذا أضفنا ما يدعيه علم النفس من أن الانسان يفكر بوحى من عقله ويتصرف بوحى من لا شعوره أدركنا الدوامة التى يدور فيها كل جيل والمحنة التى يمر بها تطوره وتطويره لما حوله .
على أن الدنيا لن تكف عن الدوران سواء نجحت الأجيال فى التطور أم هربت فى التمسك بالقديم أو حتى الردة الى ما هو أبعد بدعوى الاصالة . علماً بأن الأصالة لا تبرر الجمود والتطور ولا ينفى الاصالة بل هو حفيدها .
وعلى الجيل الجديد أن يحمل مقدراته وأن يفهم أنه وحده الذى يفهم مشاعر جيله ولا غيره يقدر على حماية مصالحه وادراك مفاهيمه .
إن لكل جيل عصره ومفهومه .
ان لكل جيل قيمه التى تقوم عليها حضارته . والتى عليه أن يحملها وهو فى عمر الحماسة قبل أن يدهمه لجام الادراك .

جمال بكرى

5/6/1973